تحية مجلس الإدارة

تحية مجلس الإدارة

<


*قصة: بيتر هاندكه
** ترجمة: علي عوده

سادتي، الطقسُ باردٌ جداً هنا. ولا أعرف كيف ينبغي عليّ أن اشرح الأمر. اتصلت من المدينة قبل ساعة لأسأل، إنْ كان كلّ شيء معداً للإجتماع، لم يجبْ أحدٌ. فاسرعتُ إلى هنا وبحثت عن البواب، فلم أعثرْ عليه في موقع عمله ولا في القبو عند المدفأة ولا في القاعة.
في هذه الحجرة وجدت أخيرا زوجته، كانت تجلس في العتمة على مقعد بلا مسند قُرب الباب، وهي تضغط رأسها بين ركبتيها وتُطبق ذراعيها على عُنقها. سألتها عمّا حدث. ردّت دون أن تتحرك، إن زوجها انصرف لأن سيارة انزلقت ودهست أحد أطفالها.
وكان هذا سبب عدم تدفئة الغرف، أرجو العناية بهذا. وما عليّ قوله لن يأخذ وقتا طويلاً.
ربما من الأفضل أن تُحركوا مقاعدكم للأمام قليلاً، حتى لا أضطر للصراخ. ولا أريد إلقاء خطبة سياسية، بل تقديم تقرير حول الوضع المالي للشركة. يؤسفني تحطم زجاج النوافذ بفعل العاصفة، على الرغم من أنني أغلقت الفُتحات بمساعدة زوجة البواب بأكياس بلاستيكية قبل حضوركم، لمنع دخول الثلج، إلا أنني كما ترون لم أفلح بالحيلولة دون هذا. أرجو أن لا تشغلكم الخشخشة عن الإصغاء إليّ، عندما أتلو عليكم نتائج تدقيق الموازنة، ولا مُبرر للقلق، أؤكد لكم، أنه لا جدل حول رئاسة إدارة الشركة. (أرجوكم اقتربوا قليلا، إن كنتم لا تفهموني). آسف، أن أضطر لتحيتكم تحت مثل هذه الظروف، ولم يكن يحدث مثل هذا، لو لم يعترض الطفلُ بزلاقته السيارة. حدثتني المرأة، أثناء ربط الأكياس البلاستيكية على النافذة، أن زوجها كان في القبو، حيث نخزن الفحم، حين صرخ الطفلُ فجأة، هي ذاتها كانت هنا ترتب المقاعد للإجتماع.
فجأة سمعت زوجها يُزمجر في الأسفل، وقفت، كما قالت، طويلا في المكان، الذي وصلتها منه الصرخة، وهي تسترق السمع. ثم ظهر زوجها من الباب، دلو الفحم لا زال معلقاً بيده، وأخبرها بصوت خفيض وهو يصرف نظره عنها جانبا، عمّا حدث، والطفلُ الثاني هو من نقل الخبر.
ولأن قائمة أسماؤكم بحوزة البواب الغائب، أودُّ أن أُحييكم جميعاً، هكذا كما أراكم، وكما قدمتم. قلت، كما أراكم وكما وصلتم.
(إنه الريح). أشكركم لقدومكم للإجتماع رغم البرد الشديد والثلج، إنها طريقٌ طويلةٌ المؤدية إلى هنا في الأعلى. ربما اعتقدتم أنكم ستدلفون إلى حجرة قطع أوصال شبابيكها الثلج، وتتحلقون حول المدفأة طلبا للدفء، لكنكم تجلسون الآن على الطاولة مرتدين معاطفكم، ولم يذب الثلج الذي علق بنعالكم وأنتم تسيرون عبر المدخل إلى مقاعدكم هنا. ولا وجود لمدفأة في الحجرة، ولا نرى سوى ثقبٍ أسودٍ في الجدار، حيث كان في ما مضى أنبوب صفيح، حينما كانت هذه الحجرة والبيت مأهولاً.
أشكركم لمجيئكم في الحال، أشكركم وأحييكم. أحييكم، أحييكم! بداية أحيي ذلك السيد الجالس هناك على المدخل، حيث كانت تجلس زوجة الفلاح، أحيي هذا السيد وأشكره. فعندما استلم الرسالة المُسجلة قبل أيام عدة، التي أبلَغَتْ عن هذا الإجتماع، الذي ينبغي أن تتم فيه تقديم حسابات مجلس الإدارة وفحصها، اعتقد ربما أن هذا غير ضروري، لأن الطقس باردٌ والثلج ينهمر منذ فترة طويلة، غير أنه خَطَرَتْ له فكرةٌ، أنه ثمة خللٌ ما في الشركة، ربما شكّ بتصدع الشركة. أقول، ربما اعتقد، أن شيئا ما يتهاوى.
كلا، الشركة لن تتهاوى. (اعذروني، أية عاصفة تلك). سافر إذن وسط الثلج والطقس شديد البرودة من المدينة للمشاركة في الإجتماع هنا.
وكان عليه أن يركن عربته في الضيعة، صعد سالكا الطريق الضيق صوب هذا المنزل. ثم جلس في الحانة وقرأ التقارير الاقتصادية في الصحيفة حتى حان وقت الذهاب إلى الاجتماع. وسط الطريق في الغابة كان قابل السيّد الثاني، الذي كان يقصد كذلك حضور الاجتماع، كان يقف متكئا على صليب ويحمل بيده قبعته، ويطبق بيده الأخرى على تفاحة متجمدة وهو يضعها في فمه، والثلج يغطي جبينه وشعره.
قلت: إن الثلج يتراكم على الشعر، وهو يلتهم التفاحة المتجمدة. بعد وصول الرجل الأول إليه حيّا بعضهما البعض، مدّ الثاني يده إلى جيب معطفه وناول الأول تفاحة متجمدة، في هذه الأثناء طارت قبعته عن رأسه بفعل العاصفة، فضحكا معا.
ضحكا معا. (أرجوكم تقدموا قليلا، وإلا لن تفهموا شيئا مما أقوله.). زد على ذلك أن هناك أزيزا، ولكن الشركة لا تتصدع. سيحصل الجميع على الأرباح السنوية المستحقة، أريد أن أبلغكم هذا اليوم في اجتماعنا الاستثنائي.
بينما كان الإثنان يسيران قُدما وسط العاصفة الثلجية، وصل آخرون القرية بسيارة ليموزين. كانوا يرتدون معاطف ثقيلة ويحتمون بالسيارة من الرياح الشديدة ويتشاورون، إن كان ينبغي عليهم الصعود إلى البيت الريفي المتهاوي.
هل قلت، البيت الريفي.
على الرغم من ارتيابهم، استطاع أخيرا أحدهم إقناعهم بالتغلب على خوفهم وقلقهم على وضع الشركة. وبعد أن اطلعوا في الحانة على التقرير الاقتصادي، تحركوا وانصرفوا. كان القلق البالغ على الشركة يقض مضجعهم.
بقوة وطأت أقدامهم بداية حُفرا ثلجية، ثم اخذوا يبذلون جهدا مضنيا للوصول إلى هناك، حتى بدأت تتشكل تدريجيا الطريق أمامهم.
توقفوا فجأة ونظروا متذكرين خلفهم إلى الوادي، الذي تنهمر من سمائه المُعتمة نُدفٌ ثلجية فوقهم، رأوا آثارا أمامهم، بعضها انحدر للأسفل ولم تكن واضحة المعالم، كان أثر سير الفلاح، بعدما سمع عن حادث ولده، وغالبا ما كان يسقط ارضا على وجهه، دون أن يحمي نفسه بيديه، وأحيانا كثيرة ينغرس بالثلج والبرد القارس، وغالبا ما كان يحفر بأصابعه المرتعشة، ويلعق بلسانه نُدفَ الثلج المُرّة، حينما كان يسقط، وأحيانا أخرى كان يزمجرُ تحت السماء العاصفة.
أكرر: غالبا ما كان الفلاحُ يزمجر تحت السماء العاصفة!
وقد لاحظوا الآثار المؤدية إلى منزل الفلاح المتهالك، وآثار السيّدين، اللذان يصعدان للأعلى وسط العاصفة أثناء بحثهم وضع الشركة، ورفع رأسمالها من خلال إصدار أسهم جديدة.
وصل الجميع أخيرا بعد حلول الظلام، وصلوا البيت ودلفوا عبر الدخل المشرّع، أول إثنين جلسا هناك وهما يضعان دفتر ملاحظات على ركبتيهما وقلم رصاص بين أصابعهم، انتظرا ربما أن أبدأ بتوجيه التحية، حتى يتمكنا من الكتابة.
أحييكم إذن جميعا وأشكركم على قدومكم، وأشكر السيدين، اللذين يأكلان التفاح المتجمد، بينما هما يكتبان كلماتي، أحيي السادة الاخرين، الذين دهسوا طفل الفلاح بسيارة الليموزين، عندما استراحوا على الشارع المغطى بالثلج وهم في طريقهم إلى القرية، ولد الفلاح، ابن البواب.
(يتصدع الآن، يتصدع السطح)، بفعل حمل الثلج الكثيف، لكن الشركة لا تتهاوى. الميزانية فاعلة، ليس لدى إدارة الشركة أنشطة غير شرعية. انحنت فقط الدعائم الخشبية للسقف، إنه يتصدع.
أود شكر الفلاح على كل شيء فعله لأجل هذا الاجتماع، في الأيام الماضية صعد من مزرعته حاملا سلما إلى البيت هنا، لطلاء الغرفة، حمل السلم على كتفه وهو يمسك به بيده المثنية، وحمل بيده اليسرى دلوا مملؤا بالطلاء، فيه فرشاة مع عصا متكسرة عند نهايتها.
بيّضَ الجدار، بعد أن كوّم الأطفالُ الخشب حتى النافذة، وانطلقوا على زلاجاتهم صوب الضيعة. الدلو بيد والسلم باليد الأخرى، صعد الفلاح بهمة وجهز الحجرة للاجتماع، والأطفال يتصايحون وهم يركضون أمامه على الزلاجات ممهدين له الطريق، وشالاتهم ترفرف بالهواء.
نلاحظ الآن الدوائر البيضاء على الأرضية، التي تتداخل مع بعضها، وضع الفلاح الدلو هناك، وغالبا ما كان ينزل عن السلم، ليدهن الموقع التالي، البقع السوداء عند المدخل، حيث يتراكم الثلج المُترب أمام الحجرة، الناتج عن حِلل الطبخ والوحل المحروق، الذي جهزته الفلاحة عند المدخل، وقد أرخت ذراعيها على مريلتها وهي تُردد أغنية شعبية عن الثلج، بينما كان الأطفال يرتشفون الحساء بإيقاع واحد وهم يهزون رؤوسهم بنشاط.
(أرجوكم، أن لا تقلقوا، ليس ثمة سبب للجزع على الشركة، وما تسمعونه يتصدع، لا يعدو غير السقف بفعل الثلج الثقيل عليه، مما يجعله يتهاوى).
أشكر كذلك الفلاح على كل شيء فعله، أودُّ تحيته، إنه في القرية عند الطفل الضحية، وأودُّ ايضا تحية الفلاحة وأشكرها، وكم وددتُ كذلك أن أحيي الأطفال، وأن أشكرهم من أعماق قلبي، لما فعلوه لأجل هذا الاجتماع.
أشكركم جميعا وأحييكم. وأرجوكم أن تمكثوا على مقاعدكم، حتى لا يهتز السقف بفعل خطواتكم . أية عاصفة تلك!
لقد قلت: أية عاصفة تلك. ابقوا هادئين على مقاعدكم. أشكركم على مجيئكم وأحييكم. إنها مجرد فرقعة الأخشاب. قلت، فرقعة الأخشاب، عليكم البقاء هادئين على مقاعدكم، حتى لا يسقط المبنى. قلت، نعم لقد قلت، أن عليكم الهدوء!
أحييكم! وأحيي الجميع الذين قدموا لأجل نصيبهم من الأرباح. أحييكم جميعا.

بيتر هاندكه: كاتب ومترجم نمساوي معاصر، ولد عام 1942 في مدينة (غريفن) في منطقة (كيرنتن). تنتمي عائلته من جهة الأم إلى الأقلية السلافية في النمسا، أما الأب فهو ألماني، رحل إلى (كيرنتن) بعد الحرب العالمية الثانية.
بدأ دراسة القانون عام 1961، ثم قطعها عام 1966. كتب منذ ذلك الوقت أكثر من ثلاثين علا قصصيا ونثريا، كما ترجم العديد من الأعمال اليونانية. وقد حاز على جوائز عالمية عدة.
Aliodeh50@yahoo.com








قافية تتنفس/ مهند ساري .............................................................................


فصل من شقاء العطر/ هلال الفارع............................................................


مبدعون يحاكمون النص والأمسية والإصدار الأدبي الأول.............................................................................



المكارثية الثقافية.. مناخات الخوف وبؤس النص
.............................................................................

«دي إن أي» الثقافة ............................................................

مغامرة الكتابة و خصوصية الذات
.............................................................................

كلفة إبداعية و اتساع الهامش .............................................................................


ظاهرة إبداعية اسمها (سمعة الزعبي



تعليقات
لم يتم إضافة تعليقات حتى الآن.
المشاركة بتعليق
يرجى تسجيل الدخول للمشاركة بتعليق.
التصنيفات
التصنيف متاح للأعضاء فقط.

نرجو الدخول أو التسجيل للتصويت.

لم يتم نشر تصنيفات حتى الآن.